الشنقيطي

93

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز )

شرائع الدين وفروعه ، ويدل لهذا قوله تعالى فيقول : ماذا أجبتم المرسلين ، والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ [ 12 ] الآية . في هذه الآية إشكال بين قوله : منعك مع لا النافية لأن المناسب في الظاهر لقوله : منعك بحسب ما يسبق إلى ذهن السامع لا ما في نفس الأمر ، هو حذف لا فيقول ما منعك أن تسجد دون ألا تسجد ، وأجيب عن هذا بأجوبة من أقربها هو ما اختاره ابن جرير في تفسيره ، وهو أن في الكلام حذفا دل المقام عليه . وعليه فالمعنى : ما منعك من السجود ، فأحوجك أن لا تسجد إذ أمرتك ، وهذا الذي اختاره ابن جرير ، قال ابن كثير : أنه حسن قوي . ومن أجوبتهم أن لا صلة ويدل له قوله تعالى في سورة ص ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ [ ص : 75 ] الآية ، وقد وعدنا فيما مضى أنا إن شاء اللّه نبين القول بزيادة « لا » مع شواهده العربية في الجمع بين قوله لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ [ البلد : 1 ] وبين قوله : وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ [ التين : 3 ] . قوله تعالى : قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ [ 28 ] . هذه الآية الكريمة يتوهم خلاف ما دلت عليه من ظاهر آية أخرى ، وهي قوله تعالى : وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها [ الإسراء : 16 ] الآية . والجواب عن ذلك من ثلاثة أوجه : الأول : وهو أظهرها أن معنى قوله أَمَرْنا مُتْرَفِيها ، أي بطاعة اللّه وتصديق الرسل ففسقوا ، أي بتكذيب الرسل ومعصية اللّه تعالى ، فلا إشكال في الآية أصلا . الثاني : أن الأمر في قوله أَمَرْنا مُتْرَفِيها أمر كوني قدري لا أمر شرعي . أي قدرنا عليهم الفسق بمشيئتنا . والأمر الكوني القدري كقوله تعالى : كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ [ البقرة : 65 ] إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ يس : 82 ] والأمر في قوله قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أمر شرعي ديني فظهر أن الأمر المنفى غير الأمر المثبت . الوجه الثالث : أن معنى أمرنا مترفيها : أي كثرناهم حتى بطروا النعمة ففسقوا ، ويدل لهذا المعنى الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد مرفوعا من حديث سويد بن هبيرة